الرئيسة مؤلفات مقالات مواقع اتصل بنا
هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ             َهذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ
 الصفحة الرئيسة
  مقالات
      التصور قبل الحركة



عـن التنصيــر

الكاتب: محمد سلامي تاريخ الإضافة: 27 - 07 - 2008

 

   أخيرا ظهر للعيان أن الحصون التي طالما احتمت بها هذه الأمة الحائرة لم تكن سوى هياكل من ورق، وتبين أن التغني باسم الإسلام لا يعوّل عليه، فهو لا يغير من الواقع شيئا، ما دامت الحقائق على الأرض لم تتغير، وأن كلمة (لا إله إلا الله) متى بقيت كلمة بلا معنى فلن يكون لها مفعولها وتأثيرها وجاذبيتها عند الأجيال الحاضرة، التي فُتحت لها أبواب أديان العالم على مصراعيها، فالمعروف عن النصرانية أنها ليست بذلك الدين الذي يمكن أن يقنع العاقلين فضلا عن المسلمين، فكيف استطاعت أن تتغلغل وسط هذه الأمة؟!

   إن لحوق فئام من هذه الأمة بالنصرانية كان ثمرة التربية والتعليم الذي صنع أجيالا غربية الهوية عقيدة وسلوكا، ولأن من يزرع الشوك يجني الجراح، فمهمة تربيتهم هي إفراغ الإنسان من البقية الباقية من عقائد الإسلام، أو تقديمها بلا محتوى، فلا تحمل أي خصومة للكفر الواقع، وإن لم تقدم إليه عقائد أخرى أحيانا، حتى إذا قُدمت إليه وجدت قلبا خاليا فتمكنت.

   الدولة الوطنية العلمانية هي التي علّمت شعبها عشق الغرب والإنبهار بعقائده وسلوكه، لا بإنجازاته الحضارية فحسب، وعلمته أن الآثار العمرانية التي شيدها الرومان بعرق أجداده تعبّر عن تراثه العميق وانتمائه الحضاري، فتحتفي بآثارهم وتخلّدها، أكثر مما تحتفي بآثار المسلمين التي لا تعرف منها إلا ما ليس له علاقة بالإسلام، كالأضرحة المعبودة من دون الله، التي تتنافس مع الكنائس والتماثيل الرومانية والفرنسية في حراسة المدن!

   وإن الأجيال التي لم تجد ولاء واضحا للإسلام يحتضنها، رغم الشعار الذي يظهر أحيانا على استحياء، ووجدت ألف ولاء يتنازعها، ولا يقيم أي منها للإسلام وزنا، إلا أن يُذكر في ذيل القائمة بصورة محتشمة، هذه الأجيال مدفوعة بقوة نحو الكفر بكل ماله علاقة بالإسلام، لأن الإنسان مهما كان لا يقبل التناقض بين العنوان والمحتوى، ويمقت الدور المنافق الذي بات يضطلع به من يفترض فيهم تمثيل الإسلام.

   تلك الصورة الماثلة اليوم أمامنا حدث مثلها من قبل، عندما تحالفت الكنيسة مع الملوك والإقطاعيين، وانتهى الأمر إلى ما نرى اليوم من إلحاد علماني أطبق على الأرض كردّ فعل، خسرت الكنيسة وزاد الملوك والإقطاعيون الجدد جورا، كذلك فإن ارتباط إسم الإسلام عبر ما يسمى بالمؤسسة الدينية بالبورجوازية والإحتلال وورثة الإحتلال لن يمر بسلام، فالخاسر الأكبر هو الإسلام، ما لم يتم تحييد الأطراف التي تتاجر به.

   وكما أن الدولة العلمانية في الغرب لم تر حرجا في دين بهذا الشكل وإن سمي بالإسلام، مادام دعاته يستهدفون النصرانية لا العلمانية، فإن الدولة العلمانية هنا وجدت في التنصير منافسا للحركات المنتسبة لدعوة الإسلام التي طالما أقَضت مضجعها.

   لكن بما أنها تعتبر نية الإلتزام المجمل بالإسلام ضمانا للوحدة الوطنية، لا سيما في وطن لم يعتد على تعدد الأديان، فإنها تخشى من تهديد التنصير لسيادة الدولة ومن تفكيك النسيج الإجتماعي وتفتيت الشخصية الوطنية، فقالوا: هو مقدمة لفرض أقلية نصرانية استعدادا للمطالبة بالإنفصال.

   والواقع أن القوى الغربية متى كانت في حاجة إلى التقسيم أو الفتنة أو زرع الطائفية فلن تجد أيسر من ذلك في أمة لا يجمعها أي انتماء يمكن أن يحول دون ذلك، ومن غير المعقول أن تمر إلى ذلك عبر بوابة التنصير، لأن الوسيلة حتى تكون وسيلة ينبغي ألا تكون أصعب من الغاية، فالغرب لا يخشى طبعا من هذه الأنظمة التي تدين بدينه، ولكنه يستبق أي محاولة لاتباع الإسلام قد تقلب الموازين.

   وعندما نتكلم عن وقع هذا على الإسلام لا يعني أن الإسلام قد خسر مواقع ومساحات كانت ملكا له، لقد اكتسبت النصرانية مواقع، لكن الإسلام لم يفقد شيئا، لأنه -بكل بساطة- لم يكن يملك شيئا من تلك المواقع التي يشار إليها حتى يفقدها، وإنما كل ما جرى أن هناك نماذج بشرية صنعتها العلمانية ورعتها ثم قدمتها هدية للنصرانية.

    العلمانية هي التي علمت الناس أن الإسلام دين الخضوع للحكام والرضى بظلمهم وكفرهم، وأن المحبة والأخوة والسلام هي أصل هذا الدين، تماما كما تفعل الكنيسة، ولما انتفض البعض صاح النصارى قائلين: الإسلام دين عنف وتقتيل، حتى نسي الكثيرون أن النصرانية هي دين الإبادة والإحتلال والسلب والنهب.

   لقد كان التنصير نتيجة وليس سببا، فهناك تكامل بينه وبين العلمانية، ومعركة الإسلام على المدى البعيد أعتقد أنها ستكون مع العلمانية، الديانة الأم التي ترعى كل هذه الآفات.

   إن قوما أشربوا في قلوبهم دينا كل ما فيه ابتهالات ومظاهر تندرج في إطار الطابع الفردي للدين، والذي يمارس تحت الرقابة الصارمة لبنادق العلمانية، لم يفكروا يوما في أن العقيدة العلمانية والمذاهب التي تندرج تحتها كفر بدين الله، وأن العلمنة لا تختلف عن التنصير أو التهويد، من حيث مناقضتها للإسلام وحربها له، ذلك لأنهم يعتقدون بعقائدها في الواقع دون شعور منهم، وإن رأيتهم يخالفونها نظريا أو يقولون: هي كفر دون كفر، فهم يدينون بالولاء لأنظمتها، وينصرونها بالنفس والنفيس، ويرضون من دين الإسلام ما رضيته لهم من أجزاء وجزيئات، ولذلك راحوا يستنكرون تمسك اليهود في فلسطين بالهوية اليهودية لدولتهم، لأنهم يفضلونها علمانية يخضع لها الجميع.

   رأيناهم يحكمون بردة المتنصرين على فرض أنهم كانوا مسلمين أصلا حسب اعتقادهم، لكن لم نسمع يوما حُكما بردة من اعتنق الدين الذي يحكّم الشعب من دون الله، ويرفض الإحتكام لشرع الله في علاقات الناس العامة، هذا الكفر قد عمّ وطمّ، وقد شب عليه الصغير وهرم عليه الكبير، دون أن يروا النكير.

   إن من تحوّل من علمانية تحت إسم الإسلام إلى علمانية تحت إسم النصرانية أو نصرانية معلمنة أو نصرانية صرفة لا شأن للإسلام به، وهذا ليس هروبا من المعركة، أو تهربا من المسؤولية، وإنما قواعد الإسلام العلمية هي التي تقرر ذلك، حتى لا نظلمها ونحمّلها ما لا تحتمله رغما عنها، فهؤلاء المتنصرون لا يدخلون في حكم المرتدين عن الإسلام، وإنما استبدلوا دينا بدين آخر خارج دين الإسلام، إستبدلوا كفرا بكفر، والكفر ملة واحدة.

   كما أن هؤلاء الذين يعلنون يوميا الدخول في الإسلام من نصارى الغرب وغيرهم على يدي هذه الأمة إنما يتحولون إلى دينها ولا يحققون الإسلام، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وكل ما في الأمر أنهم يتخلون عن تأليه المسيح عليه الصلاة والسلام ويصدّقون بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، كما فعل ابن عثيمين مع بعض الجنود الأمريكيين، وكما فعل عضو الكونغرس الأمريكي الذي أدى اليمين ويده على المصحف.

   ومثلما تحفل الصحف بأخبار تزايد دخول الغربيين في الإسلام، ويصحب الخبر بصورة مدروسة إعلان هؤلاء المسلمين المزعومين العمل على نصرة دولهم والإصرار على علمانيتها، كل ما في الأمر ألا تسبوا نبينا ولا تسخروا من ديننا، ونحن من جهتنا سنحترم مقدساتكم ورموز دينكم.

   في النهاية وعلى ضوء المعطيات الحالية سيتعايش الفريقان، وستجمعهما العلمانية بين أحضانها، وسيتنافسان في إرضائها، فالكل هنا أو هناك يقر بحرية المعتقد والدعوة إليه، وإن بدا الأمر هنا بخلاف ذلك، فالقوم لا يرون حرجا في أن يلي أمرهم نصراني، كما يجري في لبنان حيث الرئيس يدين له بالولاء من يتسمّون بالمسلمين، وهذا طبقا لاتفاق الطائف الذي رعته الدولة السعودية، والتي يصر عبد الرحمن السديس على تسميتها ببلاد التوحيد.

أعلى الصفحة
أضف تعليقك
تحميل

أضف هذا الموقع إلى المفضلة