الرئيسة مؤلفات وردود مقالات شـعـر مواقع اتصل بنا
هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ             َهذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ
 الصفحة الرئيسة
  مؤلفات وردود
      أجوبة متفرقة



أجوبة متفرقة

محمد سلامي - تاريخ الإضافة: 2013.05.15 Share

السؤال:
ما هي أفضل وسائل الدعوة لدين الله: كتابة الرسائل التي تبيّن التوحيد وحقيقة الإسلام وتوزيعها على الناس، أم دعوتهم مشافهة، أم مناظرة رموزهم؟



    هذا أشبه بالمفاضلة بين الغذاء والدواء، والصواب هو أن لكل منهما نفعه إذا وُضع في مكانه الصحيح وأدى إلى الغاية المرجوة وحقق الهدف المطلوب، فلا يصح المفاضلة بين المناظرة والتأليف والمشافهة، وإنما ينظر إلى الأكثر نجاعة منها فيستعمل، والمدعوون يختلفون فهذا قارىء وهذا أمّيٌّ يحسن الإستماع فقط، وهذا عالم متمكن وهذا مبتدىء، وهذا رجل وهذه امرأة، وهذا كبير وهذا صغير السن، وهذا يقنعه الكلام العقلي بما فيه من براهين، وهذا يتأثر بالكلام العاطفي بما فيه من ترغيب وترهيب.
    ولا يتعلق الأمر بالمدعوين فقط، بل الدعاة أيضا يختلفون في قدراتهم ومواهبهم نتيجة لأسلوب تكوينهم وبيئتهم، لذلك لا نقرأ في كتب الفقه قولا لخالد أو القعقاع، كما لا نقرأ في السير والمغازي عن انتصارات حربية لابن مسعود أو ابن عباس، فلكلٍّ مكانه، وكلٌّ ميسّر لما خُلق له.
    لقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بعض القبائل، فلبث فيهم ستة أشهر ولم يدخلوا في الإسلام، فاستدعاه وأرسل مكانه علي بن أبي طالب، وبمجرد أن وصل إليهم بعث إليه بخبر إسلامهم.
    قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) 1/355: (عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى اليمن، يدعوهم إلى الإٍسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه، فأمره أن يقفل خالد، إلا رجل كان يمّم مع خالد أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. فكنت فيمن عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت همدان جميعاً. فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ الكتاب خر ساجداً ثم رفع رأسه فقال: " السلام على همدان، السلام على همدان " . هذا حديث صحيح أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد).
    ولذلك يستعمل الداعية الأسلوب الذي يعلم أنه متمكن منه، ليضمن أكبر نسبة من النجاح، ويتفادى النقائص، فمن لا يحسن الكتابة سيسيء للدعوة أكثر مما يفيدها إن ورّط نفسه فيها، ومن لا يحسن الخطابة لا يصح أن يعتلي المنبر، ولذلك حتى الأنبياء الذين اصطفاهم الله حرصوا على اسخدام المواهب والقدرات لضمان النتيجة المرجوة، كما ذكر الله عز وجل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُون) (القصص: 34).
    ومن لا يحسن فن الجدل والمناظرة ولم يمتلك سرعة البديهة لا يصح أن يقحم نفسه فيها، لأن الدعوة هي التي تتحمّل أخطاءه، ذكر أبو العرب التميمي في (طبقات علماء إفريقية) في رسالة مالك إلى ابن فروخ، وكان ابن فروخ قد كتب إليه يخبره أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألّف لهم كلاما في الرد عليهم، فكتب إليه مالك في الرسالة: أنك إن ظننت ذلك بنفسك خفتُ أن تزلّ وتهلك أو نحو ذلك، لا يردّ عليهم إلا من كان عالما ضابطا عارفا بما يقول لهم، ليس يقدرون أن يعرجوا عليه، فإن هذا لا بأس به، فأما غير ذلك فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ، أو يظفروا منه بشيء فيطغون أو يزدادوا تماديا على ذلك ويطغيهم.
    فعلينا أن نعرف مواهبنا ونحسن استثمارها، والدعوة تتكون من جميع هذه الأساليب والوسائل المذكورة وغيرها مما يمكن أن تتفتق عنه قرائح الدعاة المجتهدين.

أعلى الصفحة