الرئيسة مؤلفات وردود مقالات شـعـر مواقع اتصل بنا
هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ             َهذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ
 الصفحة الرئيسة
  مؤلفات وردود
      أجوبة متفرقة



أجوبة متفرقة

محمد سلامي - تاريخ الإضافة: 2013.05.15 Share

السؤال:
هل يمكن تفسير هذه الأمور التي تبدو متناقضة؟ مادامت الأنظمة الجاهلية تشدد الخناق على كل دعوة قد تزعزع كيانها، فكيف تسكت عن دعوة التوحيد التي من أصولها الكفر بها؟



    لو نظرنا في سيَر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والدعاة كلهم لوجدنا أن أقوامهم لم يقابلوهم بنفس الطريقة ولا بنفس الدرجة من العداء، فحتى فرعون قد سمح لموسى عليه الصلاة والسلام بملاقاة الناس والمناظرة العامة.
    قال الله عز وجل: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم: 13).
    وقال: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) (الكهف: 20).
    عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: لَمَّا ضَاقَتْ عَلَيْنَا مَكَّةُ وَأُوذِيَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفُتِنُوا وَرَأَوْا مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْبَلاءِ وَالْفِتْنَةِ فِي دِينِهِمْ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَعَمِّهِ، لا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَكْرَهُ مَا يَنَالُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ فَالْحَقُوا بِبِلادِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ) (رواه البيهقي).
    عن أبي برزة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا إلى حي من أحياء العرب، فسبّوه وضربوه، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهل عُمان أتيتَ ما سبّوك ولا ضربوك) (رواه مسلم وأحمد).
    في حديث الغلام والملك الجبّار قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ) (رواه مسلم).
    لكن يوسف عليه السلام وجد فيه الفراعنة ما جعلهم يسلّمونه خزائن بلادهم ثم صار ملكا عليهم.
    فقد تكون هناك قواسم مشتركة مع المسلمين تجعل الكفار لا يقمعونهم، كمصلحة اقتصادية أو صلة قرابة أو قومية أو وطنية، وقد تتاح فرصة للمسلمين نتيجة صراع بين قوى الجاهلية.
    قال صفوان بن أمية يوم حنين وهو على شركه: (لأَنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ـ يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ) (رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن).
    وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبَيّ ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيَهم فقال: (لقد بلغ وعيد قريش منكم المَبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم)، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا. (رواه أبو داود بإسناد صحيح).
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) (رواه البخاري).
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ورحمة الله على لوط أن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) (رواه أحمد وابن حبان).
    وذكر الله عز وجل قولهم لنبيهم: (وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) (هود: 92).
    فيختلف رد فعل المشركين على دعوة الإسلام بين محارب ومتردد وساكت ومناصر يدافع عن المسلمين.
    والحق يستمد مشروعيته من ذاته لا من رد فعل أهل الباطل، وإن كانت عادتهم مواجهته كقاعدة عامة، فهناك استثناءات تؤكد الأصل، ومحاولة تغيير الواقع لا بد لها من رد فعل، والأذى موجود بشكل أو بآخر.
    وقد يكون السكوت إلى حين، فالحكومات لو كانت تبيد كل من يعارضها لما استطاعت الإستمرار في هذا العصر، كما أن مناصبة العداء لمن لا تتجاوز قدرته حدود الصفر يعد إشهارا مجانيا له يساهم في تقويته كنتيجة عكسية.
    وحتى المعارضة المسماة بالإسلامية والتي تؤمن بالديمقراطية تهدد النظام القائم على المدى البعيد، ولكنه يستطيع احتواءها والإستفادة منها ولو بمشاركتها في الحكم، فهناك الكثير من الدعوات المخالفة للنظام العام، ولكنه مسكوت عنها لعدم قدرتها على التغيير الفعلي.
    ففي المجتمع يوجد ما لا حصر له من الدعوات التي تهدد السلطة، لكنها في عصرنا توجه المجتمع ككل مع هذا الكم الهائل من التناقضات والأخطار نحو وجهة معينة تضيع معها الدعوات قليلة الإنتشار، وتتوارى عن الأنظار، ولا يكون عليها إقبال حقيقي يؤدي إلى تغيير جذري، لا سيما إن لم تكن تخاطب شهوات الجماهير.
    والأمر يظهر أكثر التباسا في النظام الديمقراطي الذي يتبنى التعددية وحرية التعبير والممارسات الشخصية، فيمكنك أن تعارض الدولة والمجتمع وتظهر مخالفة دينهم، بل تقف مع عدو الدولة قولا ودعوة ويحميك قانونهم كما يجري في الغرب، أما مخالفة القانون والنظام العام فغير ممكن، فضلا عن تغييره، إلا بوسائل القانون ذاته.
    كما حاور فرعون موسى وهارون عليهما السلام ورضي بالدخول في مناظرة علمية أمام الملأ، ولكنه تحرك بقضّه وقضيضه لما وصل التغيير إلى درجة التهديد الفعلي لاستقرار أمته.

أعلى الصفحة