الرئيسة مؤلفات وردود مقالات مرئيات شـعـر مواقع اتصل بنا
هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ             َهذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ
 الصفحة الرئيسة
  مؤلفات وردود
      أجوبة متفرقة



أجوبة متفرقة

محمد سلامي - تاريخ الإضافة : 2017.08.25 Share

السؤال:
هل الكرامات دليل على إسلام من وقعت له؟



    الإحتجاج بما يسمى بالكرامات هو حجة من لا حجة له، فأن يقال أن فلانا حصل له شيء من الخوارق، قد يحدث مثلها للمشركين، وهذا ليس إكراما من الله للمشرك أو دليلا على إسلامه وتقواه ودخوله الجنة، وإنما حاز على الأسباب الموجبة لإجابة الله دعاءه فقط، والمسألة باطنية ولذلك لا يمكن معرفة حقيقتها وتصنيفها.
    فقد تكون هذه الأحوال المعجزة من الكرامات، وقد تكون نعمة تفضل الله بها على عبد من عباده، وقد تكون سحرا وتعاملا مع الجن، وقد تكون استدراجا من الله وفتنة لمن لا خير فيه، فالدجال يفتن الناس بها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: (وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لِلأَعْرَابِيِّ: أَرَأَيْتَ إنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَقُولاَنِ: يا بني اتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ رَبُّكَ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلُهَا يَنْشُرُهَا بِالمِنْشَارِ حَتَّى تُلْقَى شِقَّيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عبدي هذا فَإِنِّي أَبْعَثُهُ ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبّاً غَيْرِي، فَيَبْعَثُهُ الله، وَيَقُولُ لَهُ الخَبِيثُ: مَنْ رَبّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ الله وَأَنْتَ عَدُوُّ الله، أَنْتَ الدَّجَّالُ، وَالله مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً بِكَ مِنِّي الْيَوْمَ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرُ وَيَأْمُرُ الأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتُ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ فَلاَ يَبْقَى لَهُمْ سَائِمَةٌ إِلاَّ هَلَكَتْ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرُ، وَيَأْمُرُ الأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتُ، حَتَّى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أَسْمَنَ مَا كَانَتْ وَأَعْظَمَهُ وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ وَأَدَرَّهُ ضُرُوعاً) (رواه الحاكم وابن خزيمة وصححه الألباني).
    فالمسلم يعلم أنها لا تقدّم ولا تؤخر، ولو قام إليه الميت المشرك من قبره وأخبره أنه في الجنة وأمره باتباعه ما صدّقه، لأنه يعرض الناس على الكتاب والسنة بغضّ النظر عن وجود هذه المكاشفات والأحوال أو عدمها.
    لكل هذا لا يصح الإستدلال بها علميا على صحة دين أحد ما، وإنما الدين هو الإعتقاد والقول والعمل الذي يظهر في الواقع، والميزان هو الكتاب والسنة لا غير. ذكروا أن جماعة من الخوارج اجتمعوا فدعوا الله أن يريهم آية تبيّن صحة منهجهم، فارتفع عنهم سقف البيت، فظنوا أنها آية معجزة، فسمع بهم بعض العلماء فقال: لولا رحمة الله بهم لخرّ عليهم السقف من فوقهم.
    أما حكايات الصوفية مع الطيران في الهواء والمشي على الماء وإحضار الطعام والحج دون شد الرحال إلى مكة وغيرها، مما هو مبثوث في الكتب فهي أشهر من أن تذكر، وهي عمدة أدلتهم على شركهم. قال ابن كثير في (البداية والنهاية) (13/251) عن أحدهم: (وَكَانَ يَلْبَسُ ثِيَابًا طِوَالًا تَحُفُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَبُولُ فِي ثِيَابِهِ، ورأسه مكشوفة، ويزعمون أن له أحوالاً وكشوفاً كَثِيرَةٌ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَوَامِّ وَغَيْرُهُمْ يَعْتَقِدُونَ صلاحه وولايته، وذلك لأنهم لا يعلمون شرائط الولاية ولا الصلاح، ولا يعلمون أن الكشوف قد تصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، كالرهبان وغيرهم، وكالدجال وابن صياد وغيرهم، فإن الجن تسترق السمع وتلقيه على أذن الإنسي، ولا سيما من يكون مجنوناً أو غير نقي الثياب من النجاسة، فَلَا بدَّ مِنَ اخْتِبَارِ صَاحِبِ الْحَالِ بِالْكِتَابِ والسنة، فمن وافق حاله كتاب الله وسنَّة رسوله فهو رجل صالح سواء كاشف أو لم يكاشف، وَمَنْ لَمْ يُوَافِقْ فَلَيْسَ بِرَجُلٍ صَالِحٍ سَوَاءٌ كاشف أم لا. قال الشافعي: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ وَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَعْرِضُوا أمره على الكتاب والسنة).
    كما كان غالب أدلة الذين ذهبوا لمناصرة الأفغان ضد السوفيات هو الإستدلال بهذه الأشياء، ولو كان الناس مسلمين لقاتلوا الكفار المعتدين لكفرهم دون إدخال حكاية الخوارق المعجزة أو المعجزات الخارقة لقانون الأسباب في المسألة.
    فمن الممكن أن تقع للكافر أيضا عندما يكون في حالة إخلاص، قال الله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا) (الإسراء: 67)، (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) (الأنعام: 64)، فالإنسان إذا وجد نفسه أمام قوة رهيبة لا حيلة له معها يلجأ إلى الله وحده بمنتهى الإخلاص.
    ويشبه هذا إلى حد بعيد الإستدلال بالأحلام والمنامات، وأعرف أحدهم سأل الله أن يبيّن له حقيقة بعض الجماعات الخارجة على الحكام حتى يتبعهم فرأى في المنام قارئا يقرأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: 1)، مع أنه هو نفسه من أتباع الديمقراطية، لكن أحد هؤلاء الذين جاء في تلك الرؤيا أنهم أعداء الله رأى نفسه في المنام مع جده القبوري الميّت يدعوه إليه، وأدخله بيتا أخضر بمعنى الجنة، فقُتل بعدها، فأيّهما نصدّق؟
    والواقع أن الرؤيا تتفق مع اعتقاد الرائي، وقد تكون خدعة شيطانية فيفسرونها على هواهم، كما رأت إحداهن الألباني يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرى رأت عبد الرحمن السديس في الجنة. قال مالك بن أنس وقد رُؤي له شيء من ذلك: (الرؤيا تسُرّ لا تغُرّ)، مع الفارق بينه وبينهم، ولذلك قال العلماء أن الكرامات تُكتم ولا تذاع لأنها قد تكون استدراجا من الله، ولم ينشروها في الآفاق كدليل على صحة العقيدة والمنهج.
    لكن الناس يأخذون مثل هذه الأشياء كأنها وحي من السماء، وكأنها رؤيا الأنبياء، بينما القضية لا تتعدى أنهم يحبون ذلك الشخص ويعظمونه فيرونه في المنام في هيئة حسنة، فقد يحدث مثلها للنصارى، كعدم تحلل بعض الجثث في القبور، وابتسامة الموتى التي هي مجرد انقباض لعضلات الوجه، ورائحة الدم التي صارت رائحة مسك.
    وبهذه الأوهام هدم القبوريون وغيرهم التوحيد المقرّر في الكتاب والسنة والْتفّوا عليه، فلو كان ما يقع للمشرك كرامة له وعلامة على رضى الله عنه وعن دينه وعلى حسن خاتمته وأنه من أهل الجنة فإن النتيجة المنطقية لذلك هي أن ما نقرأه في الكتاب والسنة باطل، والمحتكم إلى الطاغوت وعابد القبر ومن يؤمن بإسلام المشركين لجهله مسلمون.
    لذلك نقول: الله أعلم بحقيقة الواقعة، كما لا نصدّق كل ما يقال، لا سيما من أناس لم يعُد لهم دليل يُطمئنون به أنفسهم بأنهم على دين الله إلا هذه الحكايات والمنامات، فلا يجوز الركون إليها، ولا يُبنى عليها حكم شرعي، فدين الناس واقع ماثل أمام أعيننا، ولا تنقضه أمور خيالية أو مشكوك فيها أو في تفسيرها، والكرامة كل الكرامة في اتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أعلى الصفحة