الرئيسة مؤلفات وردود مقالات شـعـر مواقع اتصل بنا
هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ             َهذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ
 الصفحة الرئيسة
  مؤلفات وردود
      أجوبة متفرقة



أجوبة متفرقة

محمد سلامي - تاريخ الإضافة: 2013.05.15 Share

السؤال:
هل تصح شهادة المشركين في ثبوت هلال رمضان؟



    هناك فهم قاصر للمسألة، فالذين يقولون: لا نأخذ بشهادة المشركين ولا نأتمنهم على عبادتنا، يربطون المسألة برؤية الهلال فقط، بينما لا يرون حرجا في أن يأتمنوا المشركين على مواقيت الإمساك والإفطار، وعلى اتجاه القبلة في مساجدهم، وعلى توقيت الأذان، وعلى حدود أماكن الإحرام في الحج، وعلى نصاب الزكاة، وعلى تخريج علماء المشركين للحديث وكتبهم الفقهية وتحقيقهم للكتب القديمة، وحتى على المصاحف التي يقرأون فيها كتاب الله، وقد انتقلت إلينا عبر أجيال من المشركين إلى أن وصلت إلى مطابع المشركين التي هي ملك للدولة أو لغيرها.
    فلا يصح أن يفرّط المسلم في هذه العبادات، فلا يقرأ القرآن مثلا من مصاحفهم، ولا يصلي حتى يتحرى القبلة بنفسه ويعرف وقت الصلاة بنفسه غير معتمد على أذانهم، فهذا تنطع لا يبشر بخير، إذ يؤدي إلى تضييع الكثير من الفرائض ويورث المشقة الشديدة التي لا يطيقها أحد، بينما شريعة الله اقترنت برفع الحرج والأغلال.
    فلا يصح أن تتحول العبادات إلى معارك حول وسائلها كما فعل بنو إسرائيل بالبقرة، إذ تكلفوا ما لم يكلفهم به الله فكلفهم الله ما لا يطيقون.
    ومن لا يعرف الشهور العربية ولا يرى الهلال ولا يحسن ترقّبه ولا يستطيع حيلة، لا سيما في المناطق الحضرية المكتظة، ولا يحسن تقدير نصاب الزكاة نقدا، ولا يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ولا يقدر على تتبع اتجاه القبلة في كل بلد ينزل به، ولا يعرف مواقيت الصلاة بالشمس، ولا يعرف الأماكن التي هي مواقيت للإحرام في الحج، دون استعانة بهؤلاء المشركين، لا شك أنه سيضيّع كل هذه العبادات مادام لا يأخذ بخبر أو شهادة المشرك إطلاقا، فالهدف هو التحقق من صحة الوسيلة والوقت والمقدار وهذا كل المطلوب شرعا.
    إلا إذا وجدت قرينة تشكك في ذلك، ووُجد ما يدعو للشك في كونهم لا يهتمون بالمواقيت الشرعية أو لهم منهج خاطىء فيها، بسبب تأويل فاسد، مثل توقيت الفجر المقدّم.
    نعلم من الواقع أن هؤلاء المشركين يتحرّون القبلة ومواقيت الصلاة وهلال رمضان وحفظ القرآن ويحرصون كحرصنا، كما كان حجاج العرب قبل البعثة في مناسكهم، وأن أضرحة الشرك كانت على مر القرون موطنا لحفظ القرآن والتدقيق في حفظه ورسمه وإن كان لا يجاوز حناجرهم، فهؤلاء يختلفون عن الزنادقة والملحدين واليهود الذين يعادون القرآن بذاته كتنزيل.
    إن تصديق الإنسان مرتبط بمدى صدقه من كذبه، ولذلك فدينه ليس ميزانا فاصلا لمعرفة الصادق من الكاذب، ولولا ذلك لما تخاصم مسلم وكافر في حق من الحقوق إلا أعطي للمسلم، لكن يصدُق الكافر ويكذب كما يصدق المسلم ويكذب، وهذا مشاهَد في الواقع، ولهذا يميّز القاضي المسلم بين الشهود العدول ومَن تسقط شهادته من فساق المسلمين.
    ومن القصص التي يرويها بعض الفقهاء أن أحدهم قدّم له نصرانيّ وعاء وأخبره بأن فيه خمرا، فلم يصدقه وقال: يأتيني الحديث عن المبتدع فلا أقبله وأقبل كلام النصراني؟ فشربه، وهذا خلل في الفقه خطير.
    مع العلم أن عدم الأخذ برواية المبتدع للحديث غير مرتبط ببدعته إلا إذا كان المتن متعلقا بها، ولذلك أخذوا برواية الخوارج لتشددهم في تحريم الكذب إلى حد تكفير الكاذب دون الشيعة الذين ثبت عنهم الوضع في الحديث كثيرا وأجازوا الكذب باسم التقية.
    وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصدّق المشركين الذين يثق فيهم دون من لا يوثق فيه، ولم ينظر إلا لهذا الجانب، فأحكام المعاملات معلّلة وليست كأركان العبادات وشروطها.
    فكان للنبي صلى الله عليه وسلم عيون من المشركين يأتونه بالأخبار، ففي خبر صلح الحديبية عن المِسوَر بن مَخرمة ومروان قالا: (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ العُوذُ المَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ) (رواه البخاري).
    وروى ابن جرير عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: (مرَّ به - يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم - معبدٌ الخزاعيّ بحمراء الأسد وكانت خزاعة، مسلمُهم ومشركهم، عَيْبةَ نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم معه، لا يُخفون عليه شيئًا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: والله يا محمد، أما والله لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوَدِدنا أن الله كان أعفاك فيهم).
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدِّيل، ثم من بني عبد بن عدي، هاديا خِرّيتا – الخرّيت: الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمِناه فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث) (رواه البخاري).
    وإذا كانت علة عدم الأخذ بخبر المشرك هي شركه فإنها تشمل كل ما يرِد على لسانه، فلا دليل على التفريق بين مسائل المعاش من بيع وشراء ومسائل الدين، ولا دليل على التفريق بين الهجرة والجهاد من جهة والصلاة والصيام من جهة أخرى، فكلها عبادة، ولا يؤتمن الكافر على دماء المسلمين دون صيامهم، وإنما ائتمانه وتصديقه مرتبط بمدى ثقتنا فيه.
    والحديث عن ائتمان الكافر وتصديقه يعني تفادي الخيانة والكذب، فإذا انعدما لم يكن هناك معنى للمسألة، فالمسألة مسألة ثقة لا مسألة دين.
    وعن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله أن أتعلم له كتاب يهود، قال: (إني والله ما آمن يهود على كتاب)، قال: فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم. (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).
    فقد علّل الرسول صلى الله عليه وسلم المسألة بكون اليهود غير مؤتمنين على شؤون المسلمين، ومثل هذا لا نأتمن على شؤوننا هؤلاء المشركين الذين يكِنّون لنا العداوة في المسائل التي لا يشتركون فيها معنا.
    فلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً كاتبٌ باللغة السريانية يكتب له ويقرأ ما يرِد إليه من كتب، ولما كان يخشي كَيدهم طلب من زيد أن يتعلم لغتهم، فالضرورة ترتفع بالقدرة على تجاوزها.
    أما ما جاء عن ابن عباس أنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت الهلال، يعني رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: (يا بلال، أذّن في الناس فليصوموا غدًا) (رواه الترمذي وأبو داود والدارمي والنسائي).
    فيقال أن مشركي الأمس لم يكونوا يصومون ولا يحرصون على الصيام مثل قومنا ولذلك سأله عن دينه، ولو جاءه بأي خبر في أي مسألة وشك فيه كان سيسأله: هل أنت مسلم؟ وليس الأمر متعلقا بالصيام فقط، فالعلة هي وجود مظنة الكذب من المشرك يومئذ في هذه المسألة.
    وروى ابن جرير عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ) (المائدة: 106) قالا: (إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر فليُشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته فإن صدّقهما الورثة قُبل قولهما، وإن اتهموهما أُحلِفا بعد صلاة العصر: بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خُنَّا ولا غَيَّرنا).
    وإقامتهما للقسم يكون في حال الإرتياب.
    عن ابن عباس قال: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، ثُمَّ وُجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلاَنِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ) (المائدة: 106) (رواه البخاري).
    عن الشعبي أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَا هَذِهِ, وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَشْهَدُ عَلَى وَصِيَّتِهِ, فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ, فَقَدِمَا الْكُوفَةَ فَأَتَيَا الأَشْعَرِيَّ فَأَخْبَرَاهُ, وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ بِاللهِ مَا خَانَا وَلا كَذِبَا وَلا بَدَّلا وَلا كَتَمَا وَلا غَيَّرَا, وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ, فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا. (رواه البيهقي وابن أبي شيبة).
    فالعلة هي عدم حضور المسلمين وعدم القدرة على استشهادهم، وإلا فإن الأصل أن يُقدَّم المسلمون دوما، ولا دليل على حصر هذا الحكم في حال الوصية في السفر، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما، والغاية هي حفظ الدين والنفس والمال وغيرها من مقاصد الشريعة، ولا يجوز إضاعتها.
    وحال المسلم بين الكفار اليوم في كثير من الأحيان هو حال هذا الرجل الوارد في الآية، فالعلة هي عدم وجود المسلمين في الوقائع المعيّنة، وبالطبع فالفقهاء في القرون الأولى لم يكونوا بحاجة لشهادة الكافر لأنهم في مجتمع مسلم، وشهادة الكافر مطلوبة استثناء في حالات نادرة كما جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أما في واقعنا فيمكن القول أنها هي الأصل.
    يسّر الله أمورنا، والله أعلم

أعلى الصفحة